نور الدين عتر
30
علوم القرآن الكريم
حافظت على نفسها ودينها وحضارتها ليس هذا فحسب ، بل امتصت القوى التي جاءت لإفنائها وجعلتها هي تتحول لتكون من أسباب قوّتها ، كما حصل من الانقلاب الكبير للصليبيين بعد احتكاكهم بالمسلمين ، والعبرة الأكبر في التتار الذين دخلوا الإسلام واعتنقوه ، مما يبرز لنا أهمية التربية الإسلامية ، وأسلوبها في غرس هذه العوامل بوسائل كثيرة منها أسلوب قصص الأمم السابقة ، ولهذا ندرك أيضا موقع هذا الاختتام العظيم لسورة هود بهذه الآيات : وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ . وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنَّا عامِلُونَ وَانْتَظِرُوا . . . . ثانيا : مواجهة ما يطرأ من أمور أو حوادث تمس الدعوة : كما قال تعالى : وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً . وهذه حكمة جليلة لها أثرها البالغ في نجاح الدعوة ، لمواجهة الوحي نفسه للطوارئ والملمات ، ومن أهم ذلك ما يثيره المبطلون من الاعتراضات أو الشبهات ، وهو الأصل الذي صرحت به الآية الكريمة أي لا يأتونك بسؤال عجيب أو شبهة يعارضون بها القرآن بباطلهم العجيب إلا جئناهم بما هو الحق في نفس الأمر ، الدامغ له ، وهو أحسن بيانا وأوضح ، وأحسن كشفا لما بعثت له « 1 » ، وكأن جبريل واقف بالمرصاد يشرع سهم القرآن في صدور المشركين كلما أجمعوا أمرهم وألقوا سؤالهم أو حزبوا لنصرة الباطل أمثالهم . هذا أبيّ بن خلف من رؤساء الشرك جاء إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم وفي يده عظم رميم وهو يفتته ويذريه في الهواء وهو يقول : يا محمد ، أتزعم أن اللّه يبعث هذا ؟ فقال : « نعم ، يميتك اللّه تعالى ، ثم يبعثك ، ثم يحشرك إلى النار » ، ونزلت هذه الآيات من آخر سورة يس « 2 » :
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير الموضع السابق ، وأنوار التنزيل للبيضاوي مع حاشية الكازروني ج 4 ص 94 . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 6 ص 579 وفي رواية أن العاص بن وائل فعل ذلك وصححه الحاكم